أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 24 نوفمبر 2008

مر بالمعروف وتواصى بالحق

مر بالمعروف وتواصى بالحق

الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر من أهم واجبات المسلم ، وهى المهمة التى أبتعث الله لها النبيين جميعًا ، وبدونها تنتشر الضلالة ويستشرى الفساد ، ويتسع الخرف ، وتخرب البلاد ويهلك العباد ، وقد وصف الله محمد صلى الله عليه وسلم بها (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر) الأعراف 157 ، والأمر بالمعروف واجب وليس نافلة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر" رواه أحمد والترمذى ، ولابد من وجود أمة (أى جماعة) تعمل على نشر الإسلام وتطبيقه واتباع تعاليمه فيما يخص الدين أو الدنيا روى ابن ماجة وابن حبان في صحيحة : أن رسول الله قعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال :"أيها الناس ، إن الله يقول لكم مروا بالمعروف ، وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا أجيب لكم ، وتسألونى فلا أعطيكم ، وتستنصرونى فلا أنصركم" فما زاد عليهن حتى نزل .شاء الله عز وجل أن يكون الإنسان عنصرًا إيجابيًا في هذه الحياة ، عليه أن يعمل وأن يكافح وأن يجاهد ولا يتخاذل ولا يستكين .
ومن تبعاته أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويؤمن بالله (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله) . وهذه سنة من سنن الله اقتضتها حكمته أن يراقب المسلمون شئون الأرض ويدعو بعضهم بعضًا إلى الصلاح والفلاح والرشد ، وإلا فسدت الأرض (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين) .وحين ينام المسلمون عن هذه المهمة فالشر يتبجح ويهيج ويحاول أن يسيطر على الحياة (لُعن الذين كفروا من بنى إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) .
والمسلمون في أعناقهم أمانة الهداية للعالم كله يهدونه ويبصرونه ويرشدونه (وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) .
ولن يتمكنوا من قيادة العالم وهدايته والتأثير فيه إلا إذا التزموا هم أولاً بالمنهج الربانى ، وساروا عليه .والمجتمع الذى يتناصح الناس فيه بالخير ويتناهون عن المنكر ، هو المجتمع الحى المترابط المتساند القوى الذى يتقدم إلى الإمام ، وينتقل من خير إلى خير .
أما مجتمع المنكرات والذى يعيش فيه البعض على مزاجهم ثم يتركهم الآخرون لما يهوون ويشتهون فهو مجتمع مفكك منحل ، لا شك في أنه يمضى إلى الوراء ويحل به العار والدمار .ومن هنا كان الرجلان من أصحاب محمد إذا التقيا لم يتفرقا حتى يقرأ أحدهما على الآخر سورة العصر ، ثم يسلم أحدهما على الآخر ، لقد كانا يتعاهدان على الإيمان والصلاح ، ويتعاهدان على التواصى بالحق والتواصى بالصبر ، ويتعاهدان على أنهما حارسان لهذا الحق .
لكن بعض الناس له أسلوب في التواصى بالحق ينفر الآخرين ولا يأخذ بأيديهم ، أسلوب فيه تشفى وتحقير .
فما هى الآداب التى يجب على من يتصدى لهذا الأمر أن يتحلى بها حتى ينجح في أداء دوره ؟ وما هو حكم التناصح وشروطه حتى يؤتى ثماره المرجوة منه ؟
من البديهيات أن الناس يتفاوتون في مداركهم وقدراتهم وأن اختلاف الرأى بينهم أمر طبيعى ومن يدرس التاريخ الإسلامي يتأكد له بما لا يحتمل الشك أن المسلمين بصورة عامة ، وأهل الحل والعقد منهم بصورة خاصة كانوا يتفاوتون في الحكم في القضية الواحدة ، وإن جاءت اجتهاداتهم ضمن دائرة الشرع وفي إطار الإسلام .وتبعًا لاختلاف الآراء وتباين الاجتهادات حول ما يستجد من أمور وأحداث تبرز ظاهرة ما يسمى بلغة العصر – النقد – وما يسمى بلغة القرآن (التواصى بالحق) .
التواصي بالحق أو النقد من الواجبات الشرعية على كل مسلم رأى عيبًا أو انحرافًا من فرد أو جماعة أو نظام أو دولة امتثالاً لأمر الله تعالى (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) .
وعملاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" .
وجاء في الأثر : (حق المؤمن على أخيه أن يبين له الحق إذا احتاج ويشد عزمه إذا أصاب ، وأن يشكر له إذا أحسن ، ويذكره إذا نسي ، ويرشده إذا ذل ، ويصحح له إذا أخطأ ولا يجامله في الحق ، ولا يسايره على الباطل ، المؤمن هاد ودليل ومعين وأمين) .
شروط التواصي :
الإسلام حين يوجب على المسلمين أن يتواصوا بالحق فإنه يضع لذلك شروطًا محددة ويوجب التقيد بها والاعتماد عليها ...
ومن ذلك :
1- تحرى الصدق : ذلك بأن يتحرى الأخ المسلم الصدق لدى ممارسته للنقد وأن يتبين الأمور ويستطلع الشائعات والمقولات فكم من شائعات لم يكن لها في الحقيقة أصل وكم من مقولات صاغها وضخمها كثرة تناقل الألسنة لها من غير تحر لحقيقتها ، وحسبنا أن نسمع في هذا السياق حديث رسول الله "كُبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثًا هو لك مصدق وأنت له كاذب" .
فلا يجوز أن يبنى النقد على الظن والشك ، بل لابد من قرائن ثابتة أو أدلة قولية ، بدليل قوله : "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث" .
2- تحرى المقصد : بمعنى أن يستطلع الأخ البواعث التى تدفعه لتوجيه النصح ، خوفًا من أن يخالطها شئ من هوى النفس ، وحب التشفي والانتقام والتحقير والتوبيخ ، وما شاكل ذلك من مقاصد ذميمة ، وعلى الأخ المسلم أن يتوقف عن النقد فورًا إن لم تكن البواعث واضحة في نفسه وإن لم يطمئن إلى أنه مدفوع إلى ذلك ابتغاء وجه الله وحده (فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملاً صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا) .
3- تحرى الأسلوب وحسن التأني : والأخ المسلم مدعو إلى أن يتحرى الأسلوب الأفضل والتعبير الأكرم في إسداء النصح كشرط التواصي أن يكون بالحق وليس بالباطل :‌أ- يحسن بالأخ الناصح أن يسدى نصحه لأخيه على انفراد لأن ذلك أوقع في نفسه وأحوط من دخول الشيطان إليه وصدق على بن أبى طالب حيث يقول : النصح بين الملأ تقريع .‌ب- وحسن بالأخ الناصح أن يسدى النصح لأخية بأدب واستحياء وخفض جناح وأن يتخير الكلمة الطيبة والعبارة الكريمة التى يوجهها لأخيه ، فكم من كلمة لم يلق لها بالاً أورثت أحقادًا وعداوات وتسببت في انفصام عن عرى أخوة إلى الأبد فليحاذر الإخوان من سقطات اللسان وليحذروا قول نبيهم "لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه".‌ج- ويحسن بالأخ أن يكون رفيقًا رقيقًا مع أخيه (لو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك) – والغلظة والفظاظة في النقد وإسداء النصح مدعاة إلى إغلاق القلوب وصم الآذان ، بينما الرفق يفتح النفوس لسماع النصيحة والتأثر بها .. وصدق رسول الله حيث يقول "إن الله عز وجل ليعطى على الرفق مالا يعطى على الخرق (أى الحمق) وإذا أحب الله عبدًا أعطاه الرفق" .
4- تحرى الموضوعية : وعلى الأخ الناصح أن يقدم بين يدي نصيحته الدليل الشرعي الذى يثبت رأية ووجهة نظره ، وأن يكون في نقاشه مع غيره معتدلاً موضوعيًا ، بعيدًا عن التطرف والغلو حتى لا يتحول الأمر إلى مراء وجدال ، تتحكم فيه الأهواء والأمزجة وتحركه أصابع الشيطان حيث تتمزق وشائج الصلة بالله ، وإلى هذا أشارت الآية الكريمة (وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله) . 5- رحابه الصدر وأن يكون رائد الفريقين مرضاة الله رب العالمين ، فضلاً عن التماس الحق والالتزام به ولنسمع ما كان يردده عمر بن الخطاب رضى الله عنه : (أحب الناس إلى من أهدى إلى عيبى) .
ولكن كيف تكون مقاومة المنكر ؟ :
1- فمن جاهد بيده فهو مؤمن وقد اشترط الفقهاء ألا يؤدى ذلك إلى ضرر .
2- ومن جاهد بلسانه وأصلح فهو مؤمن بل ينبغى أن نبدأ به أولاً .
3- ومن جاهد بقلبه فهو مؤمن ، وهذا ألا يعنى بمجرد الأنكار بالقلب ن والاستكانة بعد ذلك ، بل يعنى أن يتحول هذا الأفكار إلى فكرة يبثها المنكر بقلبه بين أقرانه ويتجمع عليها جميع المنكرين بقلوبهم ، حتى يتكون منهم تيار غالب يقوى أفراده بعضهم بعضًا ، بحيث تصبح لهم قوة مادية يستطيعون بها أن ينكروا بألسنتهم أو بأيديهم ، وهؤلاء هم الذين يكونون الجماعة المسلمة ، في كل وقت وحين غايتها تجميع القوى المختلفة التى تؤمن بالتغيير ، ولكنها لا تستطيع منفردة القيام به ...... فتجمع قواها لتصبح تيارًا غالبًا ، وقوة مادية تتغلب على المنكر والمنكرين وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان فالقوى الذى لا ينكر بيده ، والعالم الذى لا ينكر بلسانه والآخرون الذين لا ينكرون بقلوبهم ... ليس عندهم حبة خردل من إيمان ... وصدق رسول الله إذ يقول (ما من قوم يعمل فيهم بالعاصى ، ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لم يغيروا إلا يوشك أن يعمهم الله منع بعقاب) أبو داود .

ليست هناك تعليقات: